السيد حيدر الآملي

285

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

والإيمان لا يجتمعان أصلا فلم يبق إلا الشرك الخفي الذي يجتمع مع الإسلام والإيمان ، بحكم قوله تعالى : وقول نبيه ثم أكد ذلك القول بأبلغ منه وقال : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ سورة الكهف : 110 ] . والمراد به الشرك الخفي لأنه لو كان الشرك الجلّي لكان يقول : ولا يشرك بربه أحدا ، فحيث ما قال هذا وقال : بعبادة ربه ، عرفنا أن المراد به الشرك الخفي لأن المشرك بالشرك الجلّي ليس له عبادة ولا طاعة ، كما هو مقرر في الأصول حتى يكون صالحا وغير صالح . وبحث الشرك الجلي والخفي والتوحيد الألوهي والوجودي والإسلام المجازي والحقيقي سيجيء في موضعه مستوفى إن شاء اللّه . وإذا عرفت حقيقة التقوى فنرجع إلى الغرض ونقول : اعلم أنه لو لم يكن مشاهدة الحق في مظاهره الآفاقيّة والأنفسية المسمّاة بالكلمات والآيات موقوفة على التقوى ما قيّد هداية كتابه بالمتقين دون غيرهم في قوله : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ سورة البقرة : 3 ] . لأن كتابه في الحقيقة ليس إلّا هدى للعالمين ، فتقييده بالمتّقين لا بدّ له من فائدة وحكمة وإلّا كان عبثا ، والعبث على اللّه تعالى محال وتلك الفائدة ليست إلا الهداية المذكورة المخصوصة بالمتّقين من أرباب التوحيد كما تعرفه وستعرفه ، وبناء على هذا المكان يحتاج إلى تحقيق ثلاثة أشياء أوّلها الكتاب وقد سبق تحقيقه ، وثانيها إلى التقوى وقد عرفت معناها ، وثالثها إلى الهداية وقد تكلمنا فيها إجمالا . وأمّا التفصيل : ( في بيان الهداية ومراتبها ومعانيها ) فاعلم ، أن فيها أقوال : فقول أهل الظاهر ، وهو أنّهم قالوا هداية اللّه تعالى للإنسان على أربعة أوجه : الأوّل : الهداية التي عمّ بجنسها كل مكلّف من العقل ، والفطنة ، وإراحة